( 3) وليَ آنستي
كتبهافاطمة ، في 12 أيلول 2008 الساعة: 13:51 م
عامان أو أكثر مرّا على ذلك الدرس في جامع الروضة، غادرت الأسرة خلالهما قطنا إلى دمشق، لظروف عمل والدي
لعلي شعرت ببعض الوحشة والغربة.. ورغم أن البيت الجديد في دمشق كان واسعاً جداً، إلا أن حديقة قطنا العامرة بالجمال والنقاء تحولت إلى بلاط جافٍ يحيط بالبيت.. تقلصت مساحة السماء واختفت الخضرة أو كادت، واختفت بنات الجيران وصديقات المدرسة..
صارت فرحتي أكبر حين تزورنا بنات الأخوال والخالات، وقد أصبحت الآن مثلهن من سكان دمشق، وبلغ الفرح مداه حين زارتنا ثلاث منهن يوماً واستأذنّ أمي في أن أرافقهن إلى( الدرس)، كان ذلك يعني الخروج من البيت ورؤية ناس مختلفين.
ولعل مما زاد في بهجتي أن إحدى القريبات كانت صديقة عزيزة جداً تقاربني سناً، وكنت أعتبر حضورها إلى بيتنا عيداً، لخفة ظلها وجرأتها.
كنا في حي الميدان، بينما قدمت قريباتي من أحياء أخرى، ولم يكن التنقل بالباصات الكبيرة المضطربة المواعيد بالأمر السهل على ثلاث فتيات مهذبات سابغات الستر.
لم يكن البيت الذي قُدنَني إليه بعيداً بالنسبة لما تعارف عليه الناس يومها، لكنا انتقلنا من القسم الجديد في حي الميدان إلى القسم القديم، ذي البيوت عربية الطراز التي تقودك إليها حارات ضيقة، تتباعد فيها الأبواب الصامتة المزروعة في جدران عالية جداً
وكالعادة ينفتح البيت الدمشقي على دهليز معتم قليلاً. يقودك إلى فناء فسيح محاط بأشجار الكباد والليمون والنارنج.. وأنواع الزهور.. ربما لم تعد ثمة حاجة للوصف، من أراد وصفاً أدبياً تزينه شجون الحب والحنين فليقرأ ذكريات الشيخ الأديب علي الطنطاوي، ومن أراد الصورة فقط فلا شك أنه رآها في المسلسلات السورية، التي تجد في العودة إلى الحارة مهرباً ذكياً من مناكفة دهاليز الحاضر
كان الجو دافئاً.. فكان الدرس في الليوان، وهو تلك البقعة المسقوفة من الفِناء الذي نسميه أرض الديار
جلست الآنسة في صدر الليوان على أريكة.. بينما جلست البنات والسيدات على الأرض، من حيث استقرت قدماها إلى نهاية المجلس، مطرقات الرؤوس، يصعب تبين وجوههن
أذكر من ذلك البيت، من ذلك المشهد الجديد .. سيدة براقة الوجه، رغم بعض التجاعيد، تجلس على كرسي، كانت أحياناً تقاطع الآنسة( لا يفعل هذا غيرها) وتسهم ببعض الأمثلة والقصص التي كانت هي طرفاً فيها، ولعلها كانت تلقي علينا معاشر الصغيرات بعض التوجيهات الاجتماعية. وكانت الآنسة تستمع بأدب وابتسامة لطيفة، وقد علمت فيما بعد أن تلك المتحدثة من أقارب أهل الدار. كما تعرفت يومها بابنة الدار التي رحبت بنا كثيرا، وكانت تغطي رأسها هي الأخرى، في بيتها، مثل سائر التلميذات
أستطيع أن أزعم أني سررت جداً: بلقاء بضع بنات من سني، بالأناشيد العذبة التي تبدؤها الآنسة بصوت رخيم صاف..ثم تشاركها التلميذات.. كان الدرس يخاطبني، يأخذ بيدي إلى طريق سعادتي التي لا تكون إلا برضا الله عني.. هكذا يجب أن أكون، تماماً كما تقول الآنسة.. وما تطلبه الآنسة هو عين ما تطلبه أمي: أن أحرص على صلاتي، ألا أغتاب أحداً، أن أحفظَ القرآن.. هل في الحياة أفضل أو أجمل من هذا!
لكن الجلوس على الأرض طوال هذه المدة مزعج جداً
***
بُشّرتُ فيما بعد أن قريبتي الأصغر، تلك الجريئة الوضاءة، ستكون رفيقتي في الدرس كلّ أسبوع، أي فرحة! أما الصبيتان الأخريان فكلٌّ منهما لها درسُها وآنستها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كنت صوفية | السمات:كنت صوفية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 16th, 2008 at 16 سبتمبر 2008 5:19 ص
جميل أن أرى هذا الفكر من صبية في الاعدادية
أسلوبك جد رفيع لذا فإنك ربما تعديت تلك المرحلة ..
كنت أنتظر تفصيلاً لما لفت الانتباه إليه (درس الروضة)
وأظن أنني مستعجلاً ففي جعبتك الكثير ،
سأكون زائراً ثقيلاً …
سبتمبر 16th, 2008 at 16 سبتمبر 2008 4:58 م
يا أخي أو ابني فهد.. أنا أتذكر.. بعد أن صرت جدة والحمد لله. أرجو ألا تغير هذه المعلومة من نظرتك أو شعورك نحو المدونة.. لو عدت إلى الحلقات لتبين لك الزمن الذي أتحدث عنه.. تحياتي وشكري لمرورك مرة أخرى
سبتمبر 18th, 2008 at 18 سبتمبر 2008 6:59 ص
أحياناً تؤخذ بعض العبارات بحسن نية شيئاً مغايراً،
أعلم أختي الفاضلة أنك تجاوزت تلك السن .. وقد قصدت
الفكر الذي كان لديك في تلك السن ، أما طريقة الكتابة فهي ليست
لطفلة بالطبع وإن كنت جدة فهناك جدات لازالت أرواحهن شبابية
ومحتفظات بأناقتهن وجمالهن ما شاء الله .. حفظ الله لك أبناؤك وأحفادك
وأعانك على تربيتهم التربية الصالحة، ورزقك برهم وطاعتهم ..
لدي من البنات ثلاث الكبرى في الخامسة عشرة ولله الحمد وإبني يبلغ سبع سنوات ،
وبالطبع أميرتهم الجميلة (ام محمد)..
نحن هنـا نلتمس أدباً رفيعاً وفكراً أنيقاً وإيصال معلومة أو تلقيها،،
لذا فنظرتي أو شعوري للمدونة لن تتغير ،
يغلفها الحب في الله رب العالمين…..
شاكراً لك طيب المرور على مدونتي وتنبيهي لجديدك،
—
سبتمبر 18th, 2008 at 18 سبتمبر 2008 10:04 م
بارك الله في الأسرة الطيبة، وجعلها منارة علم وخير ونفع للمسلمين. إنها لا يعدلها شيء من نعيم الأرض.. وثق أن الله تعالى يرزق البنات أحياناً لمن يستحقهن، لأنه بتربيتهن على الصلاح والحق والعزة، ينشر تأثيره إلى البيوت التي سيستلمن دفتها.
لعلي استعجلت قراءة تعليقك الأول، حياك الله وشكرا لك.