تعلقت الأنظار الحزينة بسرب يمام، حلق فجأة فوق المقبرة الصامتة، ليحطَّ بكل جلال وجرأة فوق القبر الندي، ربما قريباً منه كثيراً
مكث يقرقر، يسبح كما خبر عنه ربه..
لم تفزعه خطوات العابرين الحزانى، ولم تبعده أناتهم وأزيز صدورهم الملتاعة
وعلى مبعدة خلف سور المقبرة البسيطة جدا، وقفت نسوة متشحات بالسواد ..بعيون غشاها الدمع، وقلوب تصرخ وتنتفض دونما كلل،
يودّعن النزيلة الجديدة على ربها،
القادمة بالنهاية السعيدة، والخاتمة المشتهاة لكل مؤمن.
كانت خيوط الشمس قد بدأت رحلتها الصباحية عبر الأفق المخضب، وكان الجو لطيفاً هانئاً ساكناً، يردد قلبه البكر نشيد الحزن والحب والرضا:
إنا لله وإنا إليه راجعون
ماتت يمان..
***
يمان علي الطنطاوي
ومن لم يعرف علي الطنطاوي من العرب المسلمين فليسارع بالسؤال عنه واقتناء بعض كتبه.. وإلا فلا حاجة لنا به.
ولدت يمان في دمشق عام 1955( كان أجدادنا الفخورون يسمون زمن الجدب سنة، وزمن المطر والخير عاماً)، في بيت النباهة والصلاح وحب الخير ، وانتقلت في سنواتها الدراسية المبكرة للعيش مع والديها في السعودية في مكة، لتصبح المملكة وطناً نهائياً، إذ أصبح والدها( فقيه الأدباء، وأديب الفقهاء) بعد زمن يسير غير مرغوب فيه في موطنه الأول سورية.
تزوجت صغيرة، وانتقلت للعيش في جدة، وتابعت دراسة العلم الشرعي بعد أن أنجبت عفراء، من بعد عمرو وعلاء وعبادة.
فبدأت التدريس في جامعة الملك عبد العزيز بعد التخرج مباشرة بصفة معيدة.
عاشت وفق ما اعتادته بنات الشيخ وما تربَّين عليه: إكرام الضيف والنصح لكل مسلمة ومسلم.. ثم كانت لها دروسها المنتظمة في الفقه والدعوة، وبخاصة بعد أن حصلت على شهادة عليا من جامعة أم القرى بمكة..
أما ما قدمته من المشورة والنصح والعون لمئات من الشابات والأمهات والزوجات فلا يعلمه إلا الله ..
كانت صداعة بالحق متمسكة به، تحذّر من الفتن والأهواء، ولا يفوتها انحراف مهما صغر شأنه عن طريق الاستقامة التي التزمت بها. نحسبها كذلك ولا نزكي على الله أحداً.
كانت قدوة في حجابها، في كرمها وفي تعاملها، وفي شأن عرفت به جميع بنات الشيخ الرائد: أنها عاشت سيدة مجتمع بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ما حقق لديها معادلة كانت دائماً صعبة، الجمع السليم بين الدنيا والدين، بين تذوق المتع الحلال دون شعور معطِّل بالذنب، وبين التعبد وأداء الحقوق بقدر طاقتها..
حباها الله حزماً وسرعة بديهة وعلو همة: صفات تجمعها أيضاً بسائر أخواتها( عنان وبيان وأمان) وكانت أصغرهن،كما تجمعها بأخت لها( بنان) اغتيلت سنة إحدى وثمانين على باب دارها في ألمانيا، في حادث أليم شهير.
فكانت رحمها الله تعالى، لا تتكاسل عن واجب، ولا تؤجل سنة من سنن الإسلام في البر: من زيارة مريض أو تهنئة أو عزاء أو صلة رحم، أو اجتماع تنشر فيه مبادئ دينها
طلبت من أبنائها معالي الأمور بحزم ومتابعة، كالذي طلبته من نفسها.
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ